فيليب روث: حين أكتب فثمّة أنا، وحدي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فيما يلي ترجمة بتصرف لحوار مع الروائي الأمريكي الشهير فيليب روث أجراه معه الكاتب والصحفي الدنماركي مارتن كراسنيك ونشر في “الغارديان” .

من النادر أن يوافق فيليب روث على إجراء مقابلات معه، ولم أحتج طويل وقت كي أعرف السبب. قد يتعجل البعض ويرى أن فيليب روث فظ أو وقح، لكنه ليس كذلك. كل ما في الأمر هو أن روث لا تروقه الإجابة على الأسئلة المتكررة المتشابهة التي ستطرح عليه. “ما الذي ترغب في الحديث عنه؟” سألني روث وهو يأخذ مقعده أمامي. شعرت لحظةَ طرح هذا السؤال أن مهتمي معه ستكون صعبة. في شهر أيلول/سبتمبر 2005 أجرت “نيويورك تايمز” مقابلة مع روث بعد أن اختير عمله لينشر في مؤسسة “لايبراري أوف أميركا”، وقد كان ذلك شرفًا لم ينله سوى اثنين آخرين سوى فيليب روث وهما على قيد الحياة (وهما يودورا ويلتي وسول بيلو). لكن فيليب روث لم يقل الكثير رغم محاولات الصحفي البائس.

فيليب روث لا يجري مقابلات كثيرة، فنادرًا ما تروقه الإجابة على الأسئلة المتكررة المتشابهة التي ستطرح عليه
المصورة التي تعمل معي اسمها فلاش روزنبيرغ، وهي تحاول دومًا أن تساعدني قدر الإمكان. لكن فيليب روث لا يضحك. كان ينظر إليها نظرة فارغة وهي تقفز من زاوية إلى زاوية تحاول التقاط الصورة المناسبة. ثم التقطت له صورة بولارويد ووضعتها داخل تلك الكرات الزجاجية التي تكون مليئة بحبات بيضاء كالثلج. حرّك فيليب روث الكرة وغطت الحبات البيضاء وجهه على الصورة.

قال لها فيليب روث: “يبدو وكأنني أعاني من مشكلة قشرة الرأس”. وقال ذلك ببطء وبصوت خفيض. “هذا الرجل يحتاج إلى شامبو جيد لعلاج القشرة”.

قالت فلاش: “أستخدم هذ الخدعة دائمًا لأجعل الناس يبتسمون”.

“أنا لا أبتسم”.

وتجمّد الحديث في لحظة صمت طويلة ومؤلمة.

ثم قالت فلاش: “ولم لا تبتسم؟”

قال فيليب روث: “أتتني في إحدى المرات مصورة من نيويورك، وكانت تقول لي “ابتسم، ابتسم!”، ولكني لم أطقها ولم أطق ما كانت تريد مني القيام به. لم عليّ أن أبتسم للكاميرا؟ لم أجد في ذلك أي معنى إنساني. ومنذ ذلك الحين تخلصت من الصورة ومن الابتسامة معاً”.

سألته: “أي أنك لا تبتسم الآن على الإطلاق؟”

فنظر إلي وقال: “بلى، أبتسم حين أكون مختفيًا في زاوية لا يراني فيها أحد”.

كنا في غرفة خلفية في مكتب الوكالة المسؤولة عن أعمال فيليب روث الأدبية في وسط نيويورك. كانت الغرفة مليئة بكتب سلمان رشدي. قال فيليب روث، دون أن يبتسم: “ربما من الحكمة أن توضع كتب رشدي في غرفة خلفية كهذه”. كان فيليب روث قد وصل من بيته في ريف كونيتيكيت لمقابلة معه حول رواية “Plot Against America” (المؤامرة ضد أمريكا) والتي كانت نشرت قبل فترة في الولايات المتحدة وبريطانيا. يتحدث هذا الكتاب عن تشارلز ليندبيرغ، الطيار الأمريكي الأسطورة، والذي يفوز- حسب الرواية- بانتخابات رئاسية في أربعينات القرن العشرين ويؤسس تحالفاً مع هتلر.

يقول فيليب روث: “أتتني فكرة الكتاب حين قرأت سيرة ذاتية لأحد المؤرخين الأمريكيين، وجاء في واحد من هوامشها أن اليمينيين في الحزب الجمهوري حاولوا ترشيح تشارلز ليندبيرغ عام 1940. لم أكن على علم بذلك، وكل ما أذكره هو أن أسرتي كانت تدعم روزفلت، وكل من أعرفهم من حولي كانوا يبغضون ليندبيرغ. لقد كان الحي بأكمله من اليهود، والكل كان قلقًا من النظرة الخطيرة لديه تجاه اليهود”.

shareفيليب روث: لا أقتنع بكل هذا الهراء عن أدب السود أو أدب النسوية، فهذه التصنيفات لم تظهر إلا من أجل أجندة سياسية ما
لليهود وجود لا تصعب ملاحظته في أعمال روث، لكن في هذا العمل بالذات كان الحديث يدور وكأنه سرد للتاريخ اليهودي الخاص لفيليب روث. فرد متعجبًا: “يهودي؟ بل إن هذا الكتاب أكثر كتبي أمريكية. إنه عن أمريكا. عن أمريكا فقط. إنها رواية عن ديستوبيا أمريكية. ليس في إمكانك أن تصف كتاب رالف إليسون “Invisible Man” بأنه كتابه الأكثر تشبّعًا بالهوية السمراء، أليس كذلك؟

“ربما أنت محق..”

“هذا النوع من الاعتبارات لا يصلح سوى في كليشيهات الجرائد. تصنيفات من قبيل الأدب اليهودي، وأدب السود. كل من يفتح كتابًا يلج إلى القصة غير عابئ بهذه التصنيفات”.

“ولكن الناس ينظرون إليك بوصفك كاتبًا أمريكيًا يهوديًا. هل يعني هذا لك شيئًا؟”

“هذا ليس سؤالًا يثير اهتمامي. أعرف تمامًا معنى أن أكون يهوديًا، وهو بالمناسبة أمر ليس مثيرًا للكثير من الاهتمام. أنا أمريكي. لن تستطيع الحديث عما سوى ذلك دون أن تقع مباشرة في كليشيهات مرعبة لا تقول أي شيء عن البشر. أول ما يمكن أن أصف نفسي به هو أنني أمريكي، هذه هويتي ولغتي. وأعتقد أن التصنيفات القائمة على الهويات لا علاقة لها إطلاقًا بالطريقة التي نختبر بها الحياة في واقع الأمر”.

صرت أتكلم الآن بهدوء يحاكي الهدوء الذي يتكلم به فيليب روث. ثم همست لنفسي وقلت، لكن روث نفسه يعالج مسألة الهوية في كتبه. ففي رواية “Operation Shylock” كان يتحدث عمن يمكن أن يكون يهوديًا، وفي رواية “The Plot Against America” كان فيليب روث يتكلم عن الأمريكي.

ثم قال فيليب روث: “لكني أرفض أن يقال إنني أكتب رواية يهودية-أمريكية. أنا لا أقتنع بكل هذا الهراء عن أدب السود أو أدب النسوية، فهذه التصنيفات لم تظهر إلا من أجل أجندة سياسية ما”.

استجمعت كامل قواي كي أطرح عليه السؤال التالي: عن فيليب روث، وشخصية فيليب روث. فهو يظهر في العديد من كتبه، كصبي أو شاب كاتب. ثم هنالك الشخصية الأخرى، أو الأنا البديلة، والتي مثلها فيليب روث في شخصية الكاتب ناثان زوكرمان. فأين تنتهي الشخصية الحقيقية لفيليب روث في رواياته ومتى يبدأ الأدب والخيال؟ فينظر إليّ فيليب روث، وقد نفد صبره، وخيّل إلي أنه يظنني غبيًا.

فيليب روث: يجب أن ندع الناس يعالجون الكتب دون تدخل، وأن يعيدوا وحدهم اكتشاف ما يعنيه الكتاب وما لا يعنيه
قال فيليب روث: “أنا حقًا لا أفهم هذا السؤال.. أنا لا أقرأ أو أفهم الكتب بهذه الطريقة. ما يهمني هو الموضوع، يهمني ذلك العنصر، القصة، تلك الهزة التي تتولد لديك حين تلج إلى تلك القصة ويتجلى لديك الجمال فيها. هل أنا زوكرمان؟ نعم، إنه أنا. أتعرف؟ هذا هو ما أجيب به عادة، كل الأمر عني أنا. لكن ليس ثمة ما هو عني”.

اقرأ/ي أيضًا: دراسة: الجوائزالأدبية تؤثر سلبًا على شعبية الكتب الفائزة

قلت لفيليب روث إن إجراء مقابلة معه أمر في غاية الصعوبة- أشبه بمحاولة شخص عارٍ تسلق جبل جليدي.

فقال لي: “جيد، لا أعتقد أن وظيفتي أن أجعل حياتك سهلة، ها!” كانت ضحكته أقرب إلى التعجب منها إلى التبسم. لم تكن سوى “ها!”.

فقلت: “لعله يجدر بنا التوقف عن الحديث عن الأدب”.

فردّ علي: “ها، ها، هذا هو الكلام السليم. تخيل لو فُرض حظر على الحديث عن الأدب لمدة 100 عام، ولو قمنا بإغلاق كافة أقسام الأدب في الجامعات، ومُنعت مراجعات الكتب، ونفي النقاد جميعًا وأمروا بالامتناع عن ممارسة عملهم. عندها سيكون القارئ وحده مع الكتب، ولو تجرأ أحدهم وعلّق على كتاب ما، يكون مصيره الإعدام أو السجن فورًا. نعم، الإعدام. يجب أن يكون هنالك حظر على كل الكلام الممجوج عن الأدب. يجب أن ندع الناس يعالجون الكتب دون تدخل، وأن يعيدوا وحدهم اكتشاف ما يعنيه الكتاب وما لا يعنيه، وأن يتعرفوا على كل شيء عدا عن هذا الكلام الذي نتفوه به، كل هذا الكلام الزائف. ففي اللحظة التي نعمد فيها إلى التعميم، نصبح في عالم آخر غير عالم الأدب، وليس ثمة جسر بين العالمين”.

وبعد الحديث عن رواية له بعنوان “Everyman” ستُطبع بغلاف أسود وسيكون موضوعها عن الموت والفقد، سألته: “هل أنت خائف من الموت؟”

فكر لبرهة قبل أن يجيب، كأنه انشغل بالتفكير بأمر آخر. ثم قال: “نعم، أنا خائف من الموت. إنه أمر فظيع”. ما الذي يمكن قوله بعد؟ الموت مفزع، وهو يفطر القلب. إنه أمر لا يصدق، بل مستحيل”.

“هل تفكر كثيرًا بالموت؟”

“كان علي أن أفكر بالموت كثيرًا حين كتبت هذا الكتاب. أمضيت يومين كاملين في مقبرة، لأرى كيف يحفرون القبور. كنت لسنوات عديدة قد اتخذت قرارًا بعدم التفكير بشأن الموت. رأيت أشخاصًا يفارقون الحياة، ومنهم والداي، لكن الموت لم يمثل لي تجربة مدمرة حتى فقدت صديقًا مقربًا في نيسان/أبريل الماضي. لقد كان من جيلي. لم يكن ذلك أمرًا توقعته وفكرت مليًا به، كانت حالتي حينها كما أشبه بما قاله هنري جيمس وهو على فراش الموت: “آه، ها قد أتى، الأمر الجلل”.

فيليب روث: أخاف النسيان. ألا أكون حيًا، وألا أشعر بالحياة، وألا أشتمّها
سألته: “هل تشعر بالرضا عن حياتك؟”

فقال: “قبل ثماني سنوات شاركت في حفل تأبين لأحد الكتاب. كان رجلًا عظيمًا مفعمًا بالحياة والفكاهة والفضول. كان يعمل لصالح مجلة هنا في نيويورك، وكانت له صديقات وخليلات، وفي تأبينه رأيتهن جميعًا حاضرات. كن سيدات من مختلف الأعمار، وجميعهن بكين وغادرن القاعة، لأنهن لم يتمالكن أنفسهن من البكاء. لقد كان ذلك المشهد بالنسبة إلي أعظم شهادة في حقه..”.

اقرأ/ي أيضًا: 5 روائيين يجيبون عن سؤال: كيف تكتب رواية؟

“وما الذي ستفعله النساء في جنازتك”؟

“لو حضرن أصلًا، فأعتقد أنهن سيصرخن عند تابوتي”. نظر عبر النافذة وأجال نظره على المباني وسط المدينة، وقال: “الشغف كما تعرف لا يلحقه التغير مع العمر، لكن التغير يلحق بنا نحن، نحن الذين نكبر، ويصبح عطشنا للمرأة مختلطًا بالحسرة. لكن سنجد أن ثمة طاقة في الجنس لم نعهدها من قبل، وأن ثمة شجًا يتجلى في جسد الأنثى أكثر وأكثر. العاطفة الجنسية عميقة دومًا، لكنها مع العمر تصبح أعمق”.

“لقد أخبرتني بأنك تخاف الموت. وأنت الآن جاوزت السبعين من العمر، ما الذي تخافه؟”

نظر إلي وقال: “أخاف النسيان. ألا أكون حيًا، وألا أشعر بالحياة، وألا أشتمّها. لكنْ ثمة فرق بين الخوف الذي لدي اليوم وذلك الذي كنت أشعره وأنا صبي، وهذا الفرق يعود إلى نوع من القبول الحتمي للواقع، إذ لم أعد أجد ظلمًا كبيرًا في الموت”.

ثم سألته إن كان متدينًا فقال لي: “أنا النقيض تمامًا لكل ديني، بل أنا مناهض للدين، وأجد قبحًا في المتدينين. أنا أبغض أكاذيب الدين، وكلها أكاذيب كبيرة. ماذا عنك، هل أنت متدين؟”

“لا، لست متدينًا، لكني أعتقد أن الحياة ستكون أسهل لو كنت كذلك”.

“أوو، لا أعتقد ذلك. لدي نفور كبير من هذا الأمر. ليس للأمر علاقة بقلق عصابي لدي، لكنه التاريخ المزري للدين. أنا لا أرغب حتى في الحديث عن ذلك، فلا شيء مثير في الحديث عن قطيع من الماشية يدعون أنفسهم بالمؤمنين. حين أكتب، فثمّة أنا، وحدي. هذه حقيقة معجونة بالخوف والوحدة والقلق، لكنني لم أحتج الدين قط لينقذني”.

فسألته عن السبب الذي يجعله يستمر في الكتابة، رغم الوحدة والقلق؟ تنهد تنهيدة عالية وقال: “ثمة أيام تعوضني عن ذلك أتم تعويض. ويمكن أن أقول إنني حظيت من حياتي كلها ببضعة أشهر وحسب من هذه الأيام الرائعة ككاتب، وهذا يكفيني. هذا في الواقع سؤال جيد [كدت أقفز فرحًا حين قال ذلك]. دعني أخبرك شيئًا. إن الانشغال بالأدب هو قرار، كأي قرار آخر في الحياة. لكن سرعان ما يتماهى المرء مع هذه المهنة. وهذا هو أول مسمار في النعش. ثم تخوض في صراع على مر العقود كي تقدم عملًا أفضل، لتغير فيه قليلًا، وتقوم به من جديد كي تثبت لنفسك أنك قادر على ذلك”.

shareفيليب روث: الأمر الذي جعل مني كاتبًا هو الشغف بالحياة ومحاولة كتابتها، ثم اكتشفت، بطريقة أو بأخرى، أنني واقف خارجها
“لكنك تدرك أنك قادر على القيام بذلك الآن، أليس كذلك؟”

“لست متأكدًا أبدًا إن كنت قادرًا على فعل ذلك مجددًا. وكيف لي أن أعرف؟ كيف أضمن ألا تنفد مني الأفكار غدًا؟ أسوأ ما في الوجود أن تكون كاتبًا يملؤه الحرمان. أنا لا أفتقد أشخاصًا بعينهم، لكني أفتقد الحياة. لم أكتشف ذلك في السنوات العشرين الأولى من حياتي، لأني كنت حينها أحارب، في الحلبة، مع الأدب. ذلك الكفاح كان هو الحياة، لكن تبين لي أنني كنت في الحلبة وحيدًا”.

يتابع فيليب روث وهو ينهض قائمًا: “الأمر الذي جعل مني كاتبًا هو الشغف بالحياة ومحاولة كتابتها، ثم اكتشفت، بطريقة أو بأخرى، أنني واقف خارجها”.

جميع الحقوق محفوظة الأكادية الأوروعربية ©AcademiPress All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة مركز الدراسات و الأبحاث الإنسانية – مدى © All rights reserved madacenter
جميع الحقوق محفوظة “مركز تكامل للدراسات والأبحاث” | © حقوق النشر والطبع محفوظة
جميع الحقوق محفوظة “منصة الكتب العالمية” © موهوبون | حقوق النشر والطبع محفوظة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً