رشيد عفيف يكتب: التعاقد وُلد ميتا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

من السذاجة بما كان الاعتقاد بأن المقاربة الأمنية التي ووجهت بها احتجاجات الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد كان هدفها الوحيد والأوحد، هو تفريق تجمهر غير مرخص له. هذه العلة في نظرنا هي مجرد ذريعة شكلية تخفي وراءها مخاوف عميقة من الحكومة والدولة تجاه ما تمثله اليوم هذه الفئة من كتلة احتجاجية وازنة ستكون لها كلمتها في المستقبل. بل إن رد الفعل الأمني، الذي لا يزال موضع تساؤل عن أسبابه وأهدافه، هو علامة توتر تنم عن شعور الدولة بالورطة التي وضعت فيها نفسها وهي تراهن على خيار التوظيف بالتعاقد، باعتباره تخفيفا من أعباء النفقات العمومية وإسهاما في اللامركزية واللاتمركز الإداري.

والواقع أن هذا المشروع تحول إلى ورطة وضعت فيها الدولة نفسها بمحض إرادتها لتدبير أزمات التوازنات المالية، التي كان من الممكن حلها بوسائل وخيارات إدارية أخرى، بدلا من فرض عقود الإذعان على عشرات الآلاف من موظفي قطاع حساس كقطاع التعليم. فكلما ازدادت أعداد هؤلاء الموظفين الذين فرضت عليهم هذه العقود، كلما تعمقت الورطة أكثر، وتحولت إلى فخ يهدد بقرب نهاية هذا الخيار الذي ولد ميتا. ولأن السلطات تعتزم تعميم التوظيف بالعقدة في قطاع التربية الوطنية كمرحلة أولى، فإن هذا يعني منطقيا أنها تضع نفسها في فوهة مدفع اجتماعي مدمر لا يمكن لأي حكومة مهما امتلكت من التماسك والانسجام أن تقف في مواجهته.

يبلغ عدد الأساتذة الموظفين بالتعاقد حاليا 85 ألف أستاذ وأستاذة، وهو عدد مرشح للارتفاع في السنوات المقبلة، وحسب الوتيرة التوظيفية الحالية فإن من المتوقع أن تصبح هذه الفئة بمثابة الكتلة الغالبة بين موظفي القطاع. وبالنظر إلى المواقف الثابتة التي عبر عنها هؤلاء الأساتذة منذ 2016 ورفضهم لمسايرة الوزارة في الكثير من المقترحات التي لا تستجيب لمطلب المساواة الكلية مع باقي الموظفين، فإن هذا يعني أن المغرب مقبل على أزمة حقيقية يمكن أن تعصف بالمدرسة العمومية، وتجهز على البقية الباقية من أدائها وجودتها وعطائها البيداغوجي والتربوي. لا توجد حكومة أو دولة في العالم يمكن أن تقف في وجه إضراب مفتوح تخوضه فئة معينة من الموظفين بشكل موحد ومؤثر. إن أي حكومة تحاول ذلك تلقي بنفسها في أتون الانتحار.

هذا يعني أن الوعي الاستباقي، الذي كثيرا ما تتبجح به الحكومة وهي تتحدث عن تدبيرها للكثير من القضايا والملفات، يجب أن يُستحضر اليوم أكثر من أي وقت مضى في تدبير ملف الأساتذة المتعاقدين. فتصفية هذا الملف اليوم ستكون أقل كلفة بكثير من انتظار تضخم كتلة الموارد البشرية العاملة بمنطق التعاقد، وتراكم المشكلات الإدارية المرتبطة بها. تسوية أوضاع 85 ألف مدرّس ومدرّسة لن يكلف الوطن الشيء الكثير مقارنة بعدد يتجاوز 100 أو 200 ألف منهم. نحن في خضم سنة انتخابية، وهذا يفترض أن الأحزاب السياسية اليوم منهمكة في غمار إنهاء برامجها الانتخابية استعدادا للحملات التي ستنطلق ربما في الصيف المقبل. ألا يوجد من بين الهيئات السياسية حزب رشيد يبلور تصورا حكيما وشجاعا لإنهاء مهزلة التعاقد في الوظيفة العمومية واستبدالها بخيارات إدارية أكثر إنصافا ومساواة؟

هذه الشجاعة السياسية هي التي يحتاجها المغرب اليوم لتجاوز هذا القوس المجاني الذي أقحمتنا فيه حماسة “كاري حنكو”، الذي لم يتردد في تنفيذ كل الإجراءات والبرامج اللاشعبية والدفاع عنها باستماتة. إنه قوس لم يغلق ولن يغلق بسهولة ومن غير كلفة. وهي ليست كلفة مالية أو مادية صرفة، إنها كلفة رمزية وإنسانية كبيرة ستُقتطع مرة أخرى من الزمن المدرسي، ومن حقوق أجيال عريضة من المتعلمين والمتعلمات، الذين سيجدون أنفسهم بين سندان أساتذتهم المحرومين من حقوقهم الأساسية ومطرقة القرارات الرسمية المتعنتة. لقد ولد التعاقد ميتا، ولن نبالغ إذا قلنا إن إكرام الميت دفنه، وأفضل الدفن، هو الدفن المعجّل.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً