كيف تستعدّ للجائحة القادمة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عرض: محمد محمود السيد – باحث في العلوم السياسية

إن جائحة كورونا، على حد تعبير “تيدروس أدهانوم غيبريسوس”، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية WHO، هي “أزمة صحية تحدث مرة واحدة في القرن”. فقد كانت آخر حالة طوارئ صحية عامة تسبَّبت في مثل هذا الخراب هي جائحة الإنفلونزا الإسبانية، التي بدأت عام 1918، وأصابت حوالي ثلث سكان العالم، وقتلت ما لا يقل عن 50 مليون شخص. ولكن نظرًا لأن الظروف العالمية أصبحت مواتية بشكل متزايد لانتشار الفيروسات، فمن غير المُرجح أن يكون الوباء الحالي هو الأخير، وقد لا يكون الأسوأ.

ضرب فيروس كورونا الجديد عالمًا لم يكن مستعدًا لمثل هذه الكوارث، نظرًا لافتقار القدرة على وقف انتشار مثل هذه الفيروسات، ولم يُترك لدول العالم سوى القليل من الخيارات، تمثلت في إغلاق الاقتصادات وإلزام الناس بالحجر المنزلي. نجحت هذه السياسات بشكل جيد في إبطاء معدل الإصابات بحلول أواخر الربيع. لكن خلال الصيف وحتى الخريف، واجهت الحكومات ضغوطًا كبيرة لتخفيف إجراءات الإغلاق، وهو ما تم بالفعل، ليواجه العالم موجة ثانية أشد ضراوة، حيث وصلت إجمالي الإصابات في أوائل نوفمبر 2020 إلى أكثر من 48 مليون شخص، ووصلت الوفيات إلى أكثر من 1.2 مليون.

سوف تستمر الآثار الاقتصادية والاجتماعية للوباء لعقود، ومن المتوقع أن تنكمش الإنتاجية في جميع أنحاء العالم بنسبة 5% في عام 2020. الاقتصاد الأمريكي وحده خسر حوالي 16 تريليون دولار، نتيجة انخفاض الإنتاجية المفقودة وحالات الإصابة والوفيات. أكثر من مليار طفل حول العالم توقفوا عن الدراسة. وحذّر البنك الدولي من أن حوالي 150 مليون شخص إضافي سيدخلون في شريحة “الفقر المدقع” نتيجة لهذا الوباء.

لذا، يركز المجتمع الدولي على إيجاد سبل للتعافي من الأزمة الحالية، ولكن -في الوقت نفسه- يسعى للاستعداد للأزمة التالية، وهو الأمر الذي يتطلب تغييرًا جوهريًا في الطريقة التي تفكر بها دول العالم بشأن الأمن الصحي العالمي.

وعلى ذلك، قامت “جينيفر نوزو”، الباحثة في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، بنشر ورقة تحليلية في مجلة Foreign Affairs الأمريكية، ضمن عدد يناير/فبراير 2021، تحت عنوان: “لوقف الوباء: نهج أفضل للأمن الصحي العالمي”. وفي هذه الورقة تحاول الباحثة تقديم الدروس المستفادة من أزمة وباء كورونا، وملامح الاستعداد لما هو قادم.

سلسلة الأوبئة العالمية

على الرغم من عدم وجود تعريف واحد لمصطلح “الجائحة”، يستخدم علماء الأوبئة هذه الكلمة عمومًا لوصف تفشي الأمراض المعدية، والتي انتشرت عبر أجزاء متعددة في العالم. هذا الانتشار أسهل كثيرًا اليوم، في عصر السفر الدولي، والتهجير الجماعي، والهجرة، والتحضر؛ وكلها عوامل تسمح لمُسببات الأمراض بالوصول إلى مجموعات سكانية ضخمة في مختلف أنحاء العالم. كما أن انتشار الأمراض المزمنة، بما في ذلك السمنة، يجعل الناس أكثر عرضة للإصابة بحالات خطيرة بمجرد الإصابة.

استغرق فيروس H1N1 (إنفلونزا الخنازير) شهرين فقط من وقت اكتشافه لأول مرة، في أبريل 2009، لينتشر في جميع أنحاء العالم، واستغرق عامًا واحدًا لقتل ما بين 150 و575 ألف شخص. وقد تبيّن أن هذا الوباء هو مجرد بداية لسلسلة من حالات الطوارئ المتعلقة بالأمراض المعدية. وبعد فيروس H1N1 ظهر فيروس كورونا المُسبِّب لـ”متلازمة الشرق الأوسط التنفسية”، ثم بعد ذلك ظهر وباء “إيبولا” بدايةً من غرب إفريقيا ثم في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ثم ما لبث العالم أن شهد ظهور فيروس “زيكا”، أحد أكثر الفيروسات غموضًا. وبالطبع سيكون هناك المزيد.

بات واضحًا أن عدد الأمراض المعدية الناشئة الجديدة زاد بشكل مطرد منذ عام 1940. فقد نشأت معظم هذه الأمراض الجديدة في الحياة البرية وانتقلت إلى البشر، في ظاهرة تُسمى Spillover “الامتداد والانتشار”، وهي ظاهرة تحركها العولمة والزحف المتزايد للبشر على الطبيعة.

“الحوكمة الوبائية”

“اللوائح الصحية الدولية” هي مجموعة من المبادئ التوجيهية التي اعتمدتها منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 1969، وتم تعزيزها بعد وباء السارس عام 2003. وهي اتفاقية تُلزِم الحكومات بتطوير آلياتها للاستجابة لحالات تفشي الأوبئة، كما أنها تمنح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية سلطة إعلان “حالة طوارئ صحية عامة”. وتكمن أهمية هذه اللوائح في قدرتها على الكشف المبكر عن حالات الأوبئة، والإبلاغ عنها، مما يمنح باقي دول العالم القدرة على اتخاذ تدابير احترازية مبكرة.

ومع ذلك، فشلت العديد من الدول في الوفاء بالتزاماتها بموجب اللوائح الصحية الدولية. ولم تتخطَّ الدول التي التزمت بهذه اللوائح نسبة الثلث من بين أعضاء منظمة الصحة العالمية. وقد تجلّت الآثار المميتة لهذا الخلل أثناء انتشار وباء “إيبولا” في غرب إفريقيا عام 2013، حيث سمح التأخير في الكشف عن تفشي المرض في غينيا بوصوله إلى ليبيريا ونيجيريا وسيراليون، مما أدى -في النهاية- إلى إصابة ما يَقرب من 30 ألف شخص وقتل أكثر من 11 ألف.

في أعقاب وباء “إيبولا”، خلُصت عدة لجان مستقلة إلى أنه لا يكفي أن تُقيِّم الدول بنفسها مدى امتثالها للوائح الصحية الدولية؛ وصارت هناك حاجة لإجراء “مراجعة خارجية صارمة”. وبالفعل، طوّرت منظمة الصحة العالمية آليات لهذه العملية التقييمية. وفي حين فتحت أكثر من 100 دولة أبوابها للتفتيش، ظلت هناك دول كبرى غير متعاونة، مثل: الصين، والهند، وروسيا، بجانب الكثير من دول أوروبا الغربية وجميع دول أمريكا اللاتينية تقريبًا.

كما خضعت لوائح منظمة الصحة العالمية للتدقيق، وتحديدًا مسألة “الإعلان عن حالة طوارئ صحية عامة عالمية”، وتوقيت هذا الإعلان. فخلال وباء “إيبولا” انتظرت المنظمة حتى أغسطس 2014 لإصدار هذا الإعلان، أي بعد أكثر من أربعة أشهر من انتشار الفيروس دوليًا، وبعد أكثر من ثمانية أشهر من بدء الوباء أصلًا. وبعد أن بدأ تفشي المرض مرة أخرى في الكونغو في أغسطس 2018، انتظرت المنظمة 11 شهرًا حتى تُعلن عن حالة الطوارئ العالمية.

عندما ظهر فيروس (كوفيد-19) لأول مرة، لم توصِ منظمة الصحة العالمية بفرض قيود على السفر، وهو القرار الذي أثار الكثير من الجدل منذ ذلك الحين. لكن المنظمة الصحة العالمية كانت تحاول أن تضع في اعتبارها عاملين هامين:

• أن احتمالية فرض مثل هذه القيود يمكن أن يجعل البلدان غير راغبة في الإبلاغ عن حالات تفشٍّ كبيرة.

• غالبًا ما يتم النفور من الدول التي تُبلِّغ أولًا عن تقارير تفشي الأمراض الجديدة، مما يجعلها شبه منبوذة، وهذا يُقوِّض أعظم قوة للوائح الصحة الدولية، وهي “الاكتشاف المبكر”.

من الناحية المثالية، ينبغي مكافأة البلدان التي تفي بالتزاماتها بالإبلاغ عن حالات تفشي المرض مبكرًا، وذلك بالمساعدة وأولوية الوصول إلى الموارد، وليس معاقبتها بالنبذ والمقاطعة. ومع ذلك، لا تقدم اللوائح الصحية الدولية مثل هذه الحوافز.

فاعلية السياسات الحكومية

يُدرِك الجميع أن الأمر الفيصل في مواجهة الأوبئة يعتمد على السياسات الداخلية للحكومات صاحبة السيادة، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.

بالطبع تفاجأ قادة العالم بوباء كورونا، لكن خبراء الصحة ما فتئوا خلال الفترة السابقة التحذير من وباء شديد قادم. وعلى الرغم من هذه التحذيرات، تباطأت الحكومات في الاستجابة والتعامل مع فيروس كورونا.

قيّدت الكثير من الدول السفر من وإلى الصين، أو أغلقت حدودها بطريقة أخرى، لكن الأوان كان قد فات حينئذ، فقد قفز الفيروس بالفعل عبر القارات. انتظرت الحكومات أسابيع وأسابيع لفرض الحجر المنزلي، وهو تأخير أعطى الفيروس وقتًا حاسمًا للازدهار.

ربما كان جزء من المشكلة هو إحجام منظمة الصحة العالمية عن تسمية (كوفيد-19) بأنه “جائحة”. لم تستخدم المنظمة هذه الكلمة لأول مرة لوصف المرض إلا في 11 مارس 2020. بحلول ذلك الوقت، كان قد تم الإبلاغ عن أكثر من 100 ألف حالة إصابة وأكثر من 4000 وفاة.

عندما بدأت البلدان في إدراك خطورة الوباء المنتشر، وجدت نفسها مُكبلة الحركة بسبب أنظمة الرعاية الصحية غير الملائمة. كانت الجهود المبذولة لـ”تسوية منحنى الإصابات”، مثل عمليات الإغلاق، تهدف إلى تخفيف الضغط عن المستشفيات، ومنع تكدس الحالات بها. ولكن نقص معدات الحماية الشخصية للعاملين في مجال الرعاية الصحية زاد الأمر تعقيدًا.

وهنا يقع اللوم بشكل مباشر على الحكومات، التي كان من المفترض أن تُدرِك الدور المحوري للمستشفيات والعيادات في التعامل مع حالات الطوارئ الصحية العامة، ومع ذلك لم تمنح الحكومات للقطاع الصحي الاهتمام المطلوب؛ بل وكشف وباء كورونا عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية والتوزيع غير المتكافئ للإمدادات الطبية حول العالم. وعانت البلدان منخفضة الدخل -على وجه الخصوص- من نقص حاد في الأقنعة، وأجهزة التنفس، والقفازات، والعباءات، وغير ذلك من المعدات الطبية.

التأهّب للجائحة القادمة

كشف فيروس كورونا عن أوجه القصور في الجهود الحالية لإجراء “مراقبة للتهديدات الوبائية”. ففي وقت مبكر من انتشار الوباء، كان من الواضح أنه لا يوجد مصدر رسمي واحد لتتبع خريطة الانتشار، مما دفع باحثي الصحة العامة إلى السعي لملء الفراغ. ظهرت لوحة معلومات (كوفيد-19) التي أنشأتها “كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة” كواحدة من الأماكن الأولى لنشر أرقام موثوقة ومُحدَّثة للحالات من جميع أنحاء العالم. لكن حقيقة أن موقعًا جامعيًا على شبكة الإنترنت -بدلًا من منظمة الصحة العالمية- أصبح المصدر الأول للحصول على معلومات حول انتشار الوباء، كشف الثغرات الكبيرة في المراقبة الدولية.

العيب الرئيسي في جهود المراقبة هو أنها تعتمد على التقارير الطوعية من الحكومات. فمع ظهور فيروس كورونا في “ووهان”، أخّرت الحكومة الصينية مشاركة المعلومات حول المرض، وهو القرار الذي حَدَّ من قدرة العالم على فهم الفيروس. فالاعتماد على حكومات الدول للإبلاغ عن البيانات في الوقت المناسب وبطريقة كاملة لم ينجح بشكل جيد، وغالبًا ما تكون المصادر غير الحكومية أكثر موثوقية. فقد كان مركز أبحاث “دراسة الأنفلونزا في سياتل”، وهو مشروع مُموَّل من قبل “بيل جيتس”، هو أول منْ اكتشف دخول فيروس كورونا إلى الولايات المتحدة. لذلك، يجب تشجيع مثل هذه المبادرات، ويجب أن تتحد مرافق الرعاية الصحية معًا لإنشاء شبكة عالمية تشارك بيانات الأمراض والاستشفاء.

يجب أن تتعهد الحكومات أيضًا بمشاركة عينات من مُسببات الأمراض الناشئة. فرغم أن الباحثين الصينيين شاركوا بيانات “التسلسل الجيني” لفيروس كورونا، إلا أنهم لم يوفّروا للباحثين من بقية الدول عينات فعلية من الفيروس، وهو أمر أعاق جهودهم لتطوير اللقاحات والأدوية والاختبارات التشخيصية. إذن، من الضروري أن يتوسع العالم في الأسلوب الذي استخدمه منذ عام 2011 لمشاركة عينات من فيروس “إنفلونزا الطيور”، وذلك في إطار برنامج عمل صممته منظمة الصحة العالمية تحت اسم Pandemic Influenza Preparedness “التأهب لجائحة الإنفلونزا”.

وعلى جانب آخر، يُعد التمويل أحد أكبر التحديات التي تواجه فكرة التأهب للوباء. تاريخيًا، كان إنفاق أموال على الاستجابة للأوبئة وحالات الطوارئ أكبر بكثير من الإنفاق للاستعداد لها، ناهيك عن أن الخسائر الاقتصادية للوباء الحالي ستضغط على الميزانيات، ولهذا السبب هناك حاجة ملحة لآليات تمويل جديدة لسد الفجوات في القدرات الأساسية للدول.

يتمثل أحد الخيارات في إنشاء صندوق عالمي لدعم الأمن الصحي، يوافق من خلاله المانحون على دعم الإنفاق الصحي للبلدان منخفضة الدخل. وهناك فكرة أخرى تتمثل في أن يُشجِّع البنك الدولي الدول منخفضة الدخل على استخدام منحه وقروضه لدفع تكاليف التأهب للأوبئة.

السيناريوهات الأسوأ

على الرغم من تعاظم التحدي الذي يواجه العالم في ظل جائحة كورونا؛ إلا أن هناك سيناريوهات أسوأ، وهي أن يتعرّض العالم لإطلاق -عَرضي أو مُتعمد- لفيروس مميت، سواء أكان طبيعيًا أو مُصممًا معمليًّا.

الضرر الناجم عن مثل هذا الحدث يمكن أن يُقوِّض كافة الجهود العالمية خلال العقود الماضية. حيث يمكن للفيروسات الجديدة (المُصنعة) أن تُثبت أنها أكثر خطورة من الأمراض المعروفة، وبالتأكيد ستقاوم الطرق التقليدية للتشخيص والعلاج.

علاوة على ذلك، فإذا كان هناك اعتقاد بأن الفيروس تم إطلاق سراحه عن عمد؛ فإن وكالات الأمن والاستخبارات في الدول ستنخرط في جهود التعامل معه، ومن غير المحتمل أن يتصرفوا بشفافية وأن يتبادلوا المعلومات حول طبيعة هذا الفيروس الجديد. وهذا -بدوره- يمكن أن يُصعِّب على البلدان تقييم مخاطرها ووضع خطط استجابة قائمة على الأدلة.

إن صعوبة التعامل مع الأمراض الطبيعية، يجعلنا نتصور مدى خطورة التعامل مع “مرض مُصنَّع”، وهو أمر يتطلب قدرات تتجاوز تلك الموجودة في وكالات الصحة العامة. بجانب أن هناك حالة ضبابية حول منْ سيكون المسؤول في حالة حدوث مثل هذا السيناريو. تحتاج دول العالم إلى معرفة تقسيم العمل الآن بدلًا من محاولة حله بسرعة أثناء حالات الطوارئ.

يجب على الحكومات وضع معايير وتدابير أمان لحماية البحوث البيولوجية، ووضع خطط لكيفية الاستجابة إذا فشلت هذه الجهود. ويجب أن يكون الهدف هو ثني الحكومات أو الأشخاص ذوي النوايا السيئة عن إطلاق العنان لكارثة مثل هذه.

المصدر:

Jennifer Nuzzo, “To Stop a Pandemic: A Better Approach to Global Health Security”, Foreign Affairs, January/February 2021, pp. 36- 42.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً