حوار مع الكاتب المغربي الدكتور مصطفى المرون

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

المرون: موقف إسبانيا من الصحراء متخبط .. وملف سبتة ومليلية سيحل "تلقائياً"

المرون: موقف إسبانيا من الصحراء متخبط .. وملف سبتة ومليلية سيحل “تلقائياً”

حاوره: يوسف لخضرالأحد 4 يوليوز 2021 

في سياق التأزم المستمر للعلاقات بين الرباط ومدريد، يرى مصطفى المرون، وهو باحث مهتم بالتاريخ المغربي الإسباني، أن غياب الحوار المباشر بين نخب المملكتين طيلة عقود من الزمن نتج عنه سوء تفاهم كبير، بدأت أحدث أطواره باستقبال زعيم جبهة البوليساريو، وهو ما أدى إلى بروز ملفات عالقة.

الباحث الحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة غرناطة سنة 2000، الذي صدر له سنة 2003 من دار النشر ألمنيا بمدريد كتاب باللغة الإسبانية حول مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، وكتاب بالعربية حول “التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة 1921-1927”.

المرون، الذي سبق أن عمل كباحث مساعد بمركز الدراسات الإسبانية المعاصرة التابع لجامعة لندن، يستبعد وجود خطاب استعلائي إسباني تجاه المغرب، بحكم أن المملكة كانت حاضرة بإسبانيا لمدة ثمانية قرون، واعتبر أن إسبانيا تبقى دولة “كولونيالية” (استعمارية) بمقدرات ضعيفة.

وأوضح المرون، في هذا الحوار مع هسبريس ، أن الملفات العالقة بين مدريد والرباط متعددة، منها ما يرتبط بالقانون الدولي ومنها ما له علاقة بالاتحاد الأوروبي، ومنها ما له صبغة ثنائية، كملف الثغور المغربية المحتلة وملف الصحراء المغربية.

كيف يمكن أن نقرأ الأزمة الحالية بين المغرب وإسبانيا في سياق تراكم سوء الفهم الكبير بين البلدين لزمن طويل؟

كان لغياب حوار مباشر ما بين النخب المغربية والإسبانية طيلة 43 سنة من نظام الحماية، و19 سنة من الصراع المتعلق باستكمال الوحدة الترابية ما بين المغرب المستقل ونظام فرانكو، و43 سنة من الأخذ والجر مع إسبانيا الديمقراطية، أن يخلق سوء تفاهم بين الجانبين الرسمي والشعبي، وبالتالي بروز العديد من المشاكل التي تخص الملفات العالقة، كان آخرها ما حدث قبل شهور.

هل قدرنا أن نتعالى عن الجغرافيا ونظل حبيسي سوء الفهم الكبير الذي تشكل مع التاريخ؟

لا يمكننا التعالي عن الجغرافية، لأن المغرب كان قبل أن يكون التاريخ. فالجغرافية حقيقة ثابتة في المكان، والتاريخ أحداث متغيرة عبر الزمن.

لهذا، قدر لنا أن نجاور ثلاث دول نتقاسم معها حدودا جغرافية وتاريخا تليدا وذاكرة جماعية وتاريخية مشتركة. وكان المغرب، خلال صيرورة الأحداث، غالبا ما يسعى إلى مد يده لتجاوز جروح الماضي. صحيح أن هناك سوء فهم على المستوى الرسمي، لكن على مستوى الشعوب هناك قاسم مشترك يتعلق بالدين، واللغة، والمجتمع والثقافة، والتاريخ، يجر نحو تقريب وجهات النظر لتجاوز سوء الفهم.

تبرز في الأزمة الحالية تركيبة لتعقيدات متداخلة، كيف يقرأ المؤرخ مسارات هذا التعقيد؟

لربما يمكن قراءته في ظل تداخل تاريخي قانوني دبلوماسي جغرافي اجتماعي عرقي، لكن بالأساس اقتصادي.

يلتقي اليسار واليمين المتطرف الإسباني معا في لغة المركزية الأوروبية والخطاب الاستعلائي الذي يمتح من الإرث الاستعماري في خطابهما وتعاملهما مع المغرب. كمؤرخ كيف تقرأ هذا الخطاب؟ ألم يحن الوقت بعد للتخلص من النظرة الاستعمارية في العلاقات الدولية بالنسبة للنخب السياسية الإسبانية؟

لا أعتقد أن هناك خطابا استعلائيا إسبانيا تجاه المغرب، بحكم أن الأخير تواجد بإسبانيا لمدة ثمانية قرون، في مقابل 43 سنة من حضور إسبانيا في منطقة نفوذ لها شمال المغرب، لكن تواجدها هناك كان بإيعاز من إنجلترا استنادا إلى بنود المعاهدة الفرنسية الإنجليزية لسنة 1902م، التي كان هدفها جعل منطقة النفوذ تلك كمنطقة عازلة ما بين منطقة الحماية الفرنسية وحجرة جبل طارق ذات الموقع الإستراتيجي الحيوي بالنسبة لإنجلترا. لهذا ستجد إسبانيا نفسها فجأة دولة كولونيالية بمقدرات ضعيفة، ومن ثم سيتميز حضورها في المغرب بالوهن، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي وحتى الثقافي. فإلى عهد قريب، وبالضبط خلال حكم الجنرال فرانكو، كان مستوى عيش المواطن المغربي أحسن منه لدى المواطن الإسباني، وهو ما رسخ تلك الصورة النمطية للإسباني المعوز، خصوصا لدى الإسبان اللاجئين بالمغرب هروبا من متابعة نظام الجنرال فرانكو، الذين كانوا في أغلبهم تجارا متجولين، يطوفون عبر الأزقة لبيع سلع متعددة، خصوصا الأثواب؛ ومن ثمة سيتخذ الإسباني نعت “بورقعة” في القاموس الدارجي المغربي.

يقول خوصي ماريا أثنار في مذكراته: “عندما تكون علاقات الرباط وباريس نشعر في مدريد بأننا بين فكي كماشة”، ألا يخشى الفاعل السياسي الإسباني ضياع مكانة الشريك التجاري الأول (المغرب) لصالح فرنسا أو ربما دول أخرى، وهو المصر على إعادة إنتاج نظرة لا تراعي المتغيرات الإقليمية والدولية؟

صحيح، وهذا هو لب الأزمة الإسبانية المغربية الحالية عندما أرادت إسبانيا أن تضغط على المغرب بتقربها من الجزائر ذات الموقف التاريخي المضاد للقضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، أولا عبر تحويل خط أنبوب الغاز الذي يربط الجزائر بإسبانيا مباشرة نحو ألميريا، ومن ثم سيؤجل المغرب مشروع مرور الأنبوب فوق ترابه، مع عقد اتفاقية مع نيجيريا لمرور أنبوب النفط الرابط بينها وبين أوروبا عبر المغرب؛ ثانيا بإدخال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي خلسة تحت ذريعة الظروف الإنسانية لتلقي العلاج، وذلك بجواز جزائري مزور، وباسم منتحل هو العربي بن بطوش، وهذا ما ضرب في العمق اتفاق تبادل المعلومات الأمنية ما بين المملكتين؛ ثالثا عبر الموقف الإسباني المعادي للاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه. وهذا ما أثار غضب المغرب، الذي كانت ردة فعله اقتصادية بالأساس، إذ انفتح على شركاء اقتصاديين جدد، كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، مع إغلاق كافة المنافذ البحرية المباشرة ما بين البلدين في عملية مرحبا 2021م، والانفتاح على أسواق جديدة، كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما كبد إسبانيا خسائر بالملايير، وأضعف موقعها كشريك اقتصادي.

هل تعتقد أن البلدين يمكن أن يصلا إلى علاقات جوار جيدة في ظل وجود ملفات كثيرة عالقة لها ارتباط مباشر وغير مباشر بإسبانيا (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المحتلة، ملف الصحراء، تحديد الملك البحري…)؟

بين المغرب وإسبانيا ملفات عالقة، منها ما يرتبط بالقانون الدولي الملزم للطرفين الإسباني والمغربي، كملف الإرهاب العابر للقارات، وملف الهجرة السرية، وملف تهريب المخدرات؛ ومنها ما له علاقة بالاتحاد الأوروبي، كملف الصيد البحري؛ ومنها ما له صبغة ثنائية، كملف الثغور المغربية المحتلة، وملف الصحراء المغربية.

ملف الثغور المحتلة سيحل من تلقاء نفسه، عندما تصبح هذه المدن والجزر غير ذات جدوى، وعبئا على كاهل الميزانية الإسبانية، خصوصا بعد خبو أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية، بعد فتح أسواق حرة مغربية في محيطها، ما يضعف من حيوية نشاطها التجاري. كما أن التطور الحاصل في مجال التقنيات العسكرية، من رادارات المراقبة، وأقمار اصطناعية، وصواريخ باليستية، وطائرات الدرون، جعل الوضع الاعتباري لهذه المواقع على ضفتي المتوسط غير ذي أهمية إستراتيجية.

ماذا عن ملف الصحراء المغربية؟

في ملف الصحراء المغربية يمكن القول إن هناك اختلافا ما بين الموقف الرسمي الذي يستند إلى المقررات الدولية، والموقف الشعبي الذي يتجلى في عقدة الضمير تجاه الشعب الصحراوي الذي فرطت فيه إسبانيا، وهذا ما دفع بـ400 مثقف إسباني إلى توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة ثاباطيرو تطالبه بالضغط نحو تقرير المصير. لكن المغالطة أن الرأي العام الإسباني يجسد الشعب الصحراوي في الذين يتجمعون في تندوف، بينما الحقائق الديموغرافية تقول إن الصحراويين المغاربة موجودون في أرضهم، وهم الأغلبية. لهذا كانت نتيجة هذا الخلط تخبط الموقف الرسمي الإسباني ما بين الموقف البراغماتي المتعلق بالمصالح الحيوية لإسبانيا، والموقف السياسي الحزبي المساير للرأي العام الشعبي الذي يطفو على السطح خلال الانتخابات البلدية والتشريعية، وذلك لجلب أصوات الناخبين.

ترسيم الحدود البحرية هو الآخر ملف شائك، كيف بدأ هذا المشكل؟

في ما يتعلق بترسيم حدود المجالات البحرية أساس المشكل يعود إلى تاريخ 3 دجنبر 1991م، عندما أعلن وكيل وزارة الخارجية الإسبانية أمام لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الشيوخ أن “مسألة ترسيم حدود المجالات البحرية مع دول الجوار تتحدد وفق المعاهدات الدولية، وفي حالة عدمها يطبق مبدأ تساوي البعد equidistance”. لكن، من جانب المغرب، فقد كان يرى أنه من الضروري الأخذ بمبدأ الامتداد الطبيعي، مستندا في ذلك إلى أطروحات كل من الأستاذ عبد القادر لحلو والأمير مولاي عبد الله، التي تؤكد على الأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيومورفولوجية للسواحل وأعماق المحيط الأطلسي المواجهة لجزر الكناري.

في شهر دجنبر 2000م، ستقدم حكومة الحزب الشعبي اليمينية على إعطاء ترخيص لشركة REPSOL من أجل التنقيب عن النفط في الحدود البحرية الفاصلة ما بين جزيرتي Lanzarote و Fuerteventura والساحل الغربي للمحيط الأطلسي المغربي، وهو إجراء أدى إلى احتجاج المغرب، ومن ثم تأسيس لجنة مشتركة في شهر يناير من سنة 2003م من أجل ترسيم حدود المجالات البحرية الفاصلة ما بين السواحل الأطلسية لجزر الكناري ومثيلتها المغربية.

وحسب الطرح الإسباني، وبما أن هناك إشكالا في ترسيم حدود المجالات البحرية بين المغرب وجزر الكناري، فإن الطريقة المتعارف عليها هي رسم خط مستقيم ما بين رأس غير Cabo Ghir وطرفاية Cabo Juby، وخط آخر مستقيم ما بين رأس أفكير Punta Stanfford وشبه رأس بوجدور falso Cabo Bojador، الذي ينحرف نحو غرب خط الترسيم ما بين المجالات البحرية للبلدين. في موازاة ذلك، كان لا بد من معالجة المشكل الحاصل بخصوص ترسيم الحدود البحرية في المضيق ما بين إسبانيا وبريطانيا، خصوصا في ظل عدم الاعتراف الإسباني بالسيادة البريطانية على جبل طارق، ثم ما بين إسبانيا والمغرب في ما يخص السيادة على سبتة.

على العموم، فإن الطرح الإسباني المستند إلى مبدأ تساوي البعد equidistance هو في صالح المغرب، نظرا لحالات مشابهة للحالة الإسبانية المغربية حكمت بها محكمة العدل الدولية لصالح دول هي في نفس الوضع الإسباني.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً